محمود سالم محمد

453

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

يليق الخطاب اليعربيّ بأهله * فيهدي الوفا للنّقص والحسن للقبح ومن شرف الأعراب أنّ محمّدا * أتى عربيّ الأصل من عرب فصح « 1 » فالمعنى واضح في ذهن الشاعر ، وواضح في شعره ، أنه يشيد بالعرب ، ويرفع قدرهم ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم ، والقرآن أنزل بلسانهم ، ولذلك لهم ميزة على من سواهم ، أو لأمته ميزة على غيرها من الأمم ، كما يقول : فها هو خير الخلق من خير أمّة * يدلّ على نهج لإرشاد قاصد ونحن به نعلو على الأمم التي * مضت وكتاب اللّه أعدل شاهد « 2 » ولا يخفى على المطلع أن مثل هذه الإشارات لم تأت عفو الخاطر ، وأن المدح النبوي بذاته يحمل إشادة بالعرب أثناء الإشادة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، دون أن يقصد الشاعر إلى ذلك قصدا ، وقد تنبه ابن خالدون في مقدمته على علاقة السيادة العربية برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وارتباط ملكهم ببعثته حين قال : « العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية ، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض ، للغلظة والأنفة ، وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة ، قلّما تجتمع أهواؤهم ، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية ، كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم . . وحصل لهم التغلّب والملك » « 3 » . فابن خالدون يذهب إلى أنه لولا النبوة لما قام للعرب ملك ، وظلوا على تفرقهم في بواديهم المترامية ، ولذلك قال عن حالهم بعد سيطرة الأعاجم عليهم : « ثم إنهم بعد ذلك ، انقطعت منهم عن الدولة أجيال ، نبذوا الدين فنسوا السياسة ، ورجعوا إلى

--> ( 1 ) ديوان البرعي : ص 136 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 115 . ( 3 ) مقدمة ابن خالدون ص 151 .